فصل: مسألة الميت إذا حضرته الوفاة هل يستقبل به القبلة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة الصغير مع أبويه لم يكره على الإسلام:

قال معن بن عيسى: وقال مالك: إذا كان الصغير مع أبويه لم يكره على الإسلام، وإن كان وحده أمر بالإسلام.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة مجودا في رسم الشجرة تطعم بطنين في السنة من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادة ذلك.

.مسألة الرجال والنساء والصبيان إذا اجتمعوا في قبر واحد من ضرورة:

قال موسى بن معاوية: وسئل ابن القاسم: عن الرجال والنساء والصبيان إذا اجتمعوا في قبر واحد من ضرورة، فقال: يكون الرجال من داخل مما يلي القبلة، والصبيان من خلفهم، والنساء من ورائهم؛ فقلت: فكيف يكونون في الصلاة؟
فقال: يكون الرجال مما يلي الإمام، والصبيان إذا كانوا ذكورا إليهم، ثم النساء مما يلي القبلة، وسواء كان الرجال عبيدا أو أحرارا يجعلون أبدا مما يلي الإمام، والنساء إلى القبلة.
قال محمد بن رشد: ظاهر هذه الرواية أن العبد الكبير يقدم إلى الإمام، ثم الحر الصغير من ورائه، وقد مضى من تحصيل القول في هذه المسألة في رسم الجنائز والصيد من سماع أشهب، ما لا مزيد عليه، فلا معنى لإعادته هنا مرة أخرى، وبالله تعالى التوفيق.

.مسألة المرأة تتوفى في سفر مع رجال ولا امرأة معهم فتيممها أتدفن في ثيابها:

من سماع محمد بن خالد من ابن القاسم:
مسألة قال محمد بن خالد: سألت عبد الرحمن بن القاسم: عن المرأة تتوفى في سفر مع رجال- ولا امرأة معهم فتيممها، أتدفن في ثيابها؟
فقال ابن القاسم: يفعل في ذلك أفضل ما يقدر عليه؛ قال ابن القاسم: إن ناسا من أهل المغرب سألوا مالكا عن المرأة تخرج معهم حاجة- وليس معها ذو محرم فتسألهم أن يحملوها على الدابة، كيف ترى في ذلك؟ فكان من قوله لهم وما أمرهم به أن يتطأطأ لها الذي يريد أن يحملها، حتى تستوي عليه ثم تركب، وهذا حين لم يقدر على أفضل من ذلك.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، وأحسن ما يقدر عليه في هذا أن تلف كما هي في ثيابها في ثوب تدرج فيه وتدفن، والله تعالى أعلم.

.مسألة تكون له امرأة نصرانية فتلد منه ثم يغيب عنها فيموت ولده منها في غيبته:

وسألت ابن القاسم: عن الرجل تكون له امرأة نصرانية فتلد منه، ثم يغيب عنها فيموت ولده منها في غيبته، فيدفن ولده أولياء أمه مع أهل دينهم، ثم يعلم بذلك من يومهم أو من الغد؛ أفترى أن ينبش فيحول إلى مقبرة المسلمين؟
قال ابن القاسم: إن كان بحضرة ذلك، ولم يخف أن يكون قد تغير، فلا أرى بأسا أن يخرج، ثم يدفن في مقبرة المسلمين؛ وإن خيف عليه التغيير، فلا أرى أن يحرك.
قال محمد بن رشد: قوله فلا أرى بذلك بأسا- يدل على أن ذلك جائز غير لازم، والذي مضى في رسم النسمة من سماع عيسى أبين وأوضح؛ لأنه إذا لم يكن في نبشه بأس، فتحويله إلى مقبرة المسلمين لازم.

.مسألة الرجل يقتل ثم يصلب متى يصلى عليه:

قال: وأخبرني ابن القاسم في الرجل يقتل ثم يصلب، أنه يصلى عليه قبل أن يصلب، وأما الذي يصلب حيا ثم يقتل، فإني لم أسمع فيه شيئا. قال سحنون: ينزل عن الخشبة ويصلى عليه، ثم يرد فيها ليذعر أهل الفساد.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والقول فيها في سماع موسى، فلا وجه لإعادته- وبالله التوفيق.

.مسألة رجلين نزلا في قرية فسقط عليهما البيت فلم يدر من المسلم من اليهودي:

من مسائل نوازل سئل عنها سحنون:
قيل لسحنون: فلو أن رجلين نزلا في قرية أحدهما مسلم، والآخر يهودي، قد عرف ذلك، ولأحدهما مال، والآخر لا مال له، فسقط عليهما البيت فلم يدر من المسلم من اليهودي؟ كيف يصنع بغسلهما والصلاة عليهما؟
قال: يغسلان جميعا ويصلى عليهما، وتكون النية عليهما على من كان منهما مسلما.
قيل له: فالكفن كيف يكفنان جميعا- وأحدهما كان معروفا أنه كان ذا مال، والآخر لا مال له، إلا أنهما لما ماتا لم يعرف صاحب المال من الذي لا مال له؟ فقال: يكون الكفن من المال الذي كان معهما. قيل له: فبقية المال أيكون موقوفا عند السلطان؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: قوله: إنهما يغسلان جميعا- بين، لاسيما على قوله: إن النفر من المشركين إذا كان معهم رجل مسلم فماتوا ولم يعلم المسلم منهم، أنهم يغسلون جميعا، ويصلى عليهم، ولا تترك حرمة مسلم، هكذا يصنع وقد مضى ذلك في سماع موسى بن معاوية، وإذا كفنا جميعا من المال الذي وجد معهما، وأوقفت بقيته عند السلطان، فاستحقه ورثة أحدهما دون صاحبه، جبر عليه ما كفن به الآخر من بيت مال المسلمين؛ لأنه لو علم أنه لا مال له، لكان الواجب أن يكفن من بيت المال، وإن ادعاه ورثتهما جميعا ولم يأت أحدهما ببينة، حلفا واقتسما البقية بينهما، ولم يكن لأحدهما رجوع على صاحبه.

.مسألة صاحب الصلاة إذا فوض الصلاة إليه الأمير:

قال سحنون: صاحب الصلاة إذا فوض الصلاة إليه الأمير، أو صاحب الشرطة، أو القاضي، من كان صاحب الصلاة؟ والمنبر منهم، فهو أولى بالصلاة على الجنازة من الأولياء؛ قال: وإن لم تكن الصلاة إلى القاضي، فهو كغيره من الناس، وإن صاحب المنبر أمير الجند؛ وصاحب شرطة إذا كان موكلا بالخطبة والصلاة، أولى من الأولياء، وليس للقاضي في هذا عمل، إلا أن تكون الصلاة إليه؛ قيل: فوكيل أمير الجند على الخطبة والصلاة- إذا غاب الأمير- إن لم يعرف الخطبة مثل وكيله بالناس وليس إليه شرطة، ولا ضرب الجند، ولا شيء من الصلاة؛ قال: لا أرى لهذا في الصلاة على الجنائز شيئا.
قال محمد بن رشد: في هذا الكلام التباس، ومذهبه أنه لا يكون أحق من الأولياء بالصلاة على ميتهم إلا الأمير، أو قاضيه، أو صاحب شرطة، أو مؤمره على الجند- إذا كانت الخطبة والصلاة إلى كل واحد منهم، فإن انفرد أحدهم بالخطبة والصلاة- دون أن يكون إليه حكم بقضاء، أو شرطة أو إمارة على الجند، أو انفرد بالحكم بالقضاء، أو الشرطة، أو الإمارة على الجند، دون أن تكون إليه الخطبة والصلاة، لم يكن له في الصلاة على الجنازة حق؛ وكل من كان إليهم الحكم بوجه من الوجوه والصلاة، فوكيله عليهما جميعا بمنزلته في أنه أحق من الأولياء بالصلاة على الجنازة، وأما إن كان وكله على الحكم دون الصلاة، أو على الصلاة والخطبة دون الحكم، فلا حق له في الصلاة على الجنازة، وهذا مذهب ابن القاسم، وروايته عن مالك، في المدونة. وحكى ابن حبيب عن ابن القاسم: أن ذلك لكل من كانت إليه الخطبة والصلاة- يريد: وإن لم يكن إليه حكم، ولا يوجد ذلك لابن القاسم نصا، وظاهر ما في سماع ابن الحسن عن ابن وهب أن القاضي أحق بالصلاة على الجنازة من الأولياء، وإن لم تكن الصلاة إليه.
وقال مطرف، وابن الماجشون، وأصبغ: ليس لواحد من هؤلاء في الصلاة على الجنازة حق سوى الأمير المؤمر الذي تؤدى إليه الطاعة، فهي أربعة أقوال؛ ولا اختلاف في أنه لا حق في الصلاة على الجنائز لمن انفرد بالصلاة دون الخطبة والقضاء، أو بالحكم- دون القضاء، والخطبة، والصلاة، فهذا تحصيل هذه المسألة؛ وأولى الأولياء بالصلاة على الميت الابن، وابن الابن، وإن سفل، ثم الأب، ثم الأخ، ثم ابن الأخ، وإن سفل، ثم الجد، ثم العم، ثم ابن العم، وإن سفل، ثم أب الجد، ثم بنوه، على هذا الترتيب؛ كولاية النكاح، وميراث الولاء؛ فإن استووا في القعد والقرب من الميت، فأعلمهم أولا، ثم أفضلهم، ثم أسنهم، فإن استووا في العلم والفضل والسن، فأحسنهم خلقا؛ لقوله- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: «إن الرجل ليبلغ بحسن خلقه درجة القائم بالليل الظامئ بالهواجر». فإن استووا في ذلك وتشاحوا في الصلاة عليه، أقرع بينهم. وقيل: يقدم أحسنهم خلقا، فإن أراد الأحق بالصلاة أن يقدم أجنبيا من الناس، أو بعيدا من الأولياء على من هو أقرب منه، فقد مضى في آخر أول رسم من سماع أشهب- الخلاف في ذلك. وأما إن أوصى الميت إلى أحد بالصلاة عليه، فهو أحق من الأولياء، ومن الوالي إن حضر، قاله ابن حبيب. وحكاه عن مالك. وروى ابن غانم عن مالك: أنه أحق من الولي. وحكى عنه سحنون في نوازله: أنه أحق منه، إلا أن يعلم أن بينه وبينه عداوة، وإنما أراد بذلك نقصه، فلا تجوز وصيته بذلك، وقع في سماع ابن غانم ونوازل سحنون في بعض الروايات.

.مسألة أوصى عند موته أن يكفن في ثوب واحد، فزاد ورثته في كفنه ثوبين:

وسئل سحنون: عن رجل أوصى عند موته أن يكفن في ثوب واحد، فزاد ورثته في كفنه ثوبين، فقال بعض الورثة: لا نرضى، ونحن نرد هذه الزيادة؛ فقال: إن كان في مال الميت محمل لمثل كفنه الذي كفن فيه، فلا أرى عليهم ضمانا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنه لا يلزم أن ينفذ من الوصايا إلا ما فيه قربة وبر، ولا قربة ولا فضيلة في أن يكفن الرجل في ثوب واحد، بل المستحب ألا يكفن في أقل من ثلاثة أثواب، كما كفن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وفي كتاب ابن شعبان: أنه إذا أوصى بشيء يسير في كفنه وحنوطه لم يكن لبعض الورثة الزيادة فيه بغير ممالاة من جميعهم، وذلك عندي إذا أوصى بشيء يسير في قيمة الأكفان، دون أن ينقص من العدد في الثلاثة الأثواب؛ لأن الرخص في الكفن مستحب، والمغالاة فيه مكروهة؛ لأنه للمهلة كما قال أبو بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ولسحنون في كتاب ابنه: أنه إذا أوصى بسرف في كفنه، أو الحفر له، جعل في ثلثه الزائد على القصد، وهو بعيد لوجهين: أحدهما: أنه لم يرد بذلك الثلث، والثاني: أن ذلك مكروه لا طاعة فيه، ولا ينفصل من وصية الميت، إلا ما فيه طاعة. وقيل: إنه يرجع ميراثا، وهو قول مالك وابن القاسم وأشهب. وهو الصواب على ما ذكرناه من أنه لا ينفذ من وصية الميت إلا ما كان فيه طاعة.

.مسألة الجنازة يحضرها الولي والقاضي:

من سماع عبد الملك بن الحسن وسؤاله ابن وهب:
مسألة قال عبد الملك بن الحسن: سألت ابن وهب: عن الجنازة يحضرها الولي، والقاضي؛ هل يستحب للولي أن يقدم القاضي؟ أم تراه في سعة من ترك تقديمه؟
فقال: إذا حضر القاضي جنازة لم ينبغ لولي الميت أن يتقدم، والقاضي أولى وأحق؛ قيل له: فصاحب الشرطة، أهو عندك مثل القاضي في مثل هذا؟ قال: لا. قيل له: فالقرشي الذي له الحال والصلاح يحضر الجنازة، وولي الميت حاضر، أهو عندك بمنزلة القاضي؟ فقال: إذا كان على مثل ما وصفت من حاله، وممن ترجى بركة دعائه، فإني استحب لوليه أن يقدمه.
قال محمد بن رشد: ظاهر قول ابن وهب هذا، أن القاضي أحق بالصلاة على الجنازة من وليها- وإن لم تكن الصلاة والخطبة إليه، خلاف ما تقدم في نوازل سحنون، وقد تقدم هناك تحصيل القول في ذلك؛ وأما استحسانه لولي الميت أن يقدم القرشي الذي له الصلاة والفضل، فذلك حسن من الفعل؛ لأنه شفيع للميت، فينبغي أن يتوخى فيمن يتقدم للصلاة عليه من يرجى أن يشفع فيه.

.مسألة يمر بفلاة من الأرض فيجد رجلا ميتا لا يدري أمسلما أو نصرانيا:

وسئل: عن الرجل يمر بفلاة من الأرض، فيجد رجلا ميتا لا يدري أمسلما أو نصرانيا؟ ما العمل فيه؟
قال ابن وهب: إذا لم يعلم، جر يده على ذكره من فوق الثوب، فإن كان مختونا، غسله وصلى عليه ودفنه، وإن لم يكن مختونا واراه.
قال محمد بن رشد: وقال ابن حبيب: إنه يواريه ولا يغسله ولا يصلي عليه- وإن كان مختونا، إذ من النصارى من يختتن؛ ولو لم يعلم أن كان مسلما، أو كافرا، لواراه بلا غسل، قاله في سماع موسى بن معاوية. ولا اختلاف في هذا أعلمه، إذ قد علم أن اليهود يختتنون.

.مسألة الميت إذا حضرته الوفاة هل يستقبل به القبلة:

وسئل ابن وهب: عن الميت إذا حضرته الوفاة، هل يستقبل به القبلة؟
فقال: نعم يستقبل به القبلة، فقيل له: فكيف يستقبل به القبلة؟ فقال: يجعل على شقه الأيمن- إن قدر على ذلك، كما يصنع به في اللحد، وإن لم يقدر على ذلك، جعل مستلقيا على قفاه- ورجلاه مما يلي القبلة.
قال محمد بن رشد: اختلف في التوجيه: فروي عن مالك أنه مستحب، وهو الذي عليه الجمهور؛ وروى علي بن زياد عن مالك، أنه قال في التوجيه: ما هو من الأمر القديم، وذلك نحو ما روي عن سعيد بن المسيب أنه أنكر ذلك على من فعله به في مرضه؛ وتأول ابن حبيب أنه إنما كره ذلك لاستعجالهم به قبل أن ينزل به أسباب الموت؛ والأظهر أنه كرهه بكل حال. والذي يدل أنه غير مشروع، أن ذلك لم يرو أنه فعل بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا بأحد من الصحابة المتقدمين الكرام، ولو كان ذلك، لنقل وذكر- والله أعلم.
وإلى هذا نحا مالك في رواية علي بن زياد، لقوله ما هو بالأمر القديم. وأما صفته عند مالك، وجميع أصحابه، فعلى جنبه الأيمن، كما يجعل في لحده، وكما يصلي المريض الذي لا يقدر على الجلوس عندهم. واختلف الذين قالوا في المريض الذي لا يقدر على الجلوس، أنه يصلي على ظهره- ورجلاه إلى القبلة في التوجيه، فمنهم من قاسه على الصلاة، ومنهم من قاسه على جعله في قبره؛ لأن المعاينة سبب من أسباب الموت. فقياس التوجيه فيها على حال الموت، أولى من قياسه على الصلاة، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة.

.مسألة الرجلين يكونان في السفر فيجنب أحدهما ويموت الآخر:

وسئل: عن الرجلين يكونان في السفر، فيجنب أحدهما، ويموت الآخر- وليس معهما من الماء إلا ما يتطهر به واحد، قال: فالحي أولى بالماء من الميت، قيل: أيتيمم الميت؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: إنما كان الحي أولى بالماء من الميت، من أجل أن الميت لا يقاومه إياه، وإذا اغتسل الحي بالماء، كان عليه قيمة نصيب الميت منه لورثته- إن كانت له قيمة؛ وانظر لو أراد ورثته أن يقاوموه إياه، هل يكون ذلك لهم أم لا؟ وقد مضى في سماع سحنون، وموسى بن معاوية، من كتاب الوضوء، ما يوضح هذه المسألة ويبين معناه، فقف على ذلك هناك- وبالله التوفيق.

.مسألة الجنائز هل ينادى بها في المساجد:

قلت: فالجنائز هل ينادى بها في المساجد؟ قال: لا ينادى بها إلا على أبواب المساجد.
قال محمد بن رشد: هذا خلاف ما تقدم في رسم حلف من سماع ابن القاسم، وقد مضى هناك القول على ذلك بأوعب ما فيه، وبالله التوفيق.
تم سماع عبد الملك بن الحسن بحمد الله.

.مسألة لفرق بين الروح والنفس:

البيان والتحصيل من سماع أصبغ بن الفرج من ابن القاسم من كتاب القضاء العاشر:
قال أصبغ: سمعت عبد الرحيم بن خالد يقول: بلغني أن الروح له جسد، ويدان، ورجلان، وعينان، ورأس، يسل من الجسد سلا.
قال محمد بن رشد: ذكر هذه الرواية عن عبد الرحيم بن خالد، أن الروح له جسد ويدان ورجلان وعينان ورأس، يسل من الجسد سلا. وحكى ابن حبيب عنه: أن النفس هي التي لها جسد ويدان وعينان ورأس تسل من الجسد سلا، وأن الروح هو النفس المتردد في الإنسان، ففرق عبد الرحيم بن خالد- فيما حكى ابن حبيب عنه- بين الروح والنفس، وسمى نفسا ما سماه في هذه الرواية روحا- وهو الجسد المجسد الذي يحيا الجسم بكونه فيه، ويموت بإخراجه منه- وهو الصواب- أن النفس والروح اسمان لشيء واحد؛ وهو الذي يحيا به الجسم، وإن كان كل واحد منهما قد يقع بانفراده على مسميات لا يقع عليها الآخر، فيقع النفس على ذات الشيء وحقيقته؛ وعلى الدم، وعلى الحياة الموجودة بالإنسان، ويقع الروح على الملك، وعلى القرآن، وعلى النفس المتردد في الإنسان، وعلى الحياة الموجودة فيه وفي غيره من الحيوان، فإذا عبر بالنفس والروح عن شيء واحد، فالمراد به ما يحيا به الجسم، ويتوفاه ملك الموت، فيدفعه إلى ملائكة الرحمة، أو ملائكة العذاب؛ وهو النسمة التي قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيها: «إنما نسمة المؤمن طائر، يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه».
فالنفس، والروح، والنسمة، شيء واحد؛ وقد يسمى الإنسان نسمة اتساعا ومجازا. والدليل على أن النفس والروح شيء واحد: أن الله- تبارك وتعالى- قال: {يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} [الزمر: 42]. وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ إذ نام عن الصلاة في الوادي، حتى طلعت الشمس: «إن الله قبض أرواحنا، ولو شاء لردها إلينا في حين غير هذا». فسمى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ روحا ما سماه الله نفسا، وهذا بين، وإنما قلنا إنه هو الذي يحيا به الجسم، ولم نقل إنه الحياة الموجودة به؛ لأن الحياة الموجودة به معنى من المعاني، والمعاني لا تقوم بأنفسها، ولا يصح عليها ما وصف الله به الأنفس والأرواح في كتابه، وعلى لسان نبيه من القبض والإخراج والرجوع والطمأنينة والصعود والتنعيم والتعذيب. فمعنى قولنا: الذي يحيا به الجسم، أي: ما أجرى الله العادة بأن الجسم يحييه بكونه فيه، ويميته بإخراجه منه؛ لأن ما يحيا به الجسم وجوبا لإعادة هي الحياة، ولا تكون إلا معنى؛ لأن الجواهر والأجسام لا توجب الأحكام في الأجسام، فإذا قلنا: إن النفس والروح شيء واحد، وإنه هو الذي أخبر الله تعالى أنه يتوفاه عند الموت وعند النوم بقوله تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ} [الزمر: 42]. فقد قال بعض المتقدمين: إن قبضه في حال النوم- هو أن يقبض وله حبل ممدود إلى الجسم كشعاع الشمس، فإذا حرك الجسم رجع إليه الروح أسرع من طرف العين.
والأظهر- عندي- في ذلك أن قبضه في حال الوفاة هو بإخراجه من الجسم، وقبضه في النوم، ليس بإخراج له من الجسد، وإنما معناه منعه من الميز والحس والإدراك، وقبضه عن ذلك، كما يقال: قبض فلان عبده، وقبض السلطان وزيره؛ إذا منعه مما كان مطلقا عليه- قبل، وإن لم يزله عن مكانه في الحقيقة، فالقبض على هذا، والتوفي في الوفاة حقيقة، وفي النوم مجاز، والله أعلم بحقيقة الصواب في ذلك كله، قال الله عز وجل: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء: 85]... الآية، وبالله التوفيق.

.مسألة ولد المسلم يولد مخبولا أو يصيبه الخبل قبل أن يبلغ العمل:

قال أصبغ: وسألت ابن القاسم: عن ولد المسلم يولد مخبولا، أو يصيبه الخبل قبل أن يبلغ العمل؛ قال: ما سمعت فيهم شيئا، إلا أن الله تبارك وتعالى يقول: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} [الطور: 21]، فأرجو أن يجعلوا معهم، فأما من احتلم وجرى عليه القلم، ثم أصيب بعد ذلك، فإني سمعت بعض أهل العلم والفضل يقول: إنه يطبع على عمله بمنزلة من مات.
قال محمد بن رشد: الذي يولد مخبولا أو يصيبه الخبل قبل أن يبلغ العمل، فهو بمنزلة من مات صغيرا من أولاد المسلمين، إذ لم يلحق بالمكلفين، فهو مولود على الفطرة، وصائر بفضل الله ورحمته إلى الجنة، وما رجاه ابن القاسم بتأويل الآية من أن يلحقوا بآبائهم. فروي عن النبي،- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-، روي عن ابن عباس أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إن الله ليرفع ذرية المؤمن معه في جنته، وإن لم يبلغها في العمل، لتقر بهم عينه ثم قرأ: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ} [الطور: 21]» الآية. وأما من أصابه الخبل بعد أن احتلم، وجرى عليه القلم، فما حكي أنه سمعه من بعض أهل العلم فيه من أنه يطبع على عمله بمنزلة من مات- صحيح في المعنى؛ لارتفاع القلم عنه بالخبل، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رفع القلم عن ثلاثة» فذكر فيهم: «المجنون حتى يفيق».

.مسألة هلك فلم يكن له كفن فطلب له في الناس فجمع له عشرون درهما وعليه دين:

قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول: عن مالك في رجل هلك فلم يكن له كفن، فطلب له في الناس فجمع له عشرون درهما، فكفنه رجل من عنده، وبقيت الدراهم، فأراد غرماؤه أخذها، أو ورثته؛ قال: ليس هي لغرمائه ولا لورثته، وترد إلى أهلها. وقاله ابن القاسم، إلا أن يشاء ويسلموها لورثته، وأحب إلي لأصحابها أن يفعلوا. وفي سماع أبي زيد مثله عن ابن القاسم.
قال محمد بن رشد: قوله إن العشرين درهما ترد إلى أهلها، هو مثل ما في كتاب المكاتب من المدونة- في المكاتب: إذا أعين في كتابته، ففضلت عنده فضلة مما أعين به، أنه يرد ذلك على الذي أعانوه أو يستحلهم منه- إذا كان ذلك منهم على وجه الفكاك لرقبته، ولم يكن صدقة عليه منهم، ومعارض لما في سماع ابن القاسم من كتاب الصدقات والهبات في السائل يقف بالباب فيأمر له بدرهم فيجده قد انصرف: أنه يتصدق به ولا يسترجعه؛ فيأتي على قياس هذا في مسألة الكفن أن يجعل العشرين درهما أصحابها في كفن غيره، ولا يسترجعونها لأنفسهم مالا من مالهم، واستحب ذلك في سماع ابن القاسم من كتاب العارية في مسألة السائل، ولم يوجبه؛ فكذلك مسألة الكفن يستحب لأصحابها أن يجعلوا العشرين درهما في كفن مثله من غير إيجاب؛ وأما استحبابه لأصحابها أن يسلموها للورثة، ففيه نظر؛ لأنهم لم يقصدوا بذلك الصدقة على الورثة، والله أعلم وبه التوفيق.

.مسألة أهل الحرب يغيرون على بعض ثغور الإسلام فيقتلون رجالا هل هم شهداء:

ومن كتاب المجالس:
وسئل أصبغ: عن أهل الحرب يغيرون على بعض ثغور الإسلام، فيقتلون الرجال في منازلهم في غير معترك، ولا مجتمع، ولا ملاقاة؛ ما حالهم عندك، أحال الشهداء؟ أم كيف يصنع بهم؟
فقال لي: سمعت ابن القاسم يقول في هؤلاء: إنهم يغسلون ويصلى عليهم، ويقول: لا يدفن بدمه وثيابه، وتترك الصلاة عليه، إلا من قتل في معترك ومزاحفة، فأما من قتله أهل الحرب في غير معترك، ولا مزاحفة، فلا. قال أصبغ: فسألت عن ذلك ابن وهب، فقال لي: هم شهداء حيث ما نالهم العدو بالقتل، في معترك أو مزاحفة؛ وهو رأي على ما قال ابن وهب، وهو كان أعلم بهذا وشبهه مما يشاكل الآثار والسنة من جميع أصحابنا. قيل لأصبغ: فسواء عندك ناصبوهم بالسلاح حين غشوهم في منازلهم، أو قتلوهم معافصة نياما، أو غافلين. قال أصبغ: نعم ذلك سواء، وهم شهداء، يصنع بهم ما يصنع بالشهداء. قيل: أرأيت إن قتلوا امرأة بالغة، أو صبية صغيرة، أهم عندك مثل الرجال البالغين؟ وبأي قتلة قتلوا فهم بتلك الحال، يصنع بهم ما يصنع بالشهداء في ترك غسلهم، والصلاة عليهم، وقتلوا بسلاح، أو بغير سلاح؟ قال: نعم، هم عندي سواء في جميع ما ذكرت.
قال محمد بن رشد: المنصوص في المدونة مثل قول ابن وهب، وفيها دليل على مثل قول ابن القاسم. وجه قول ابن القاسم أن قتلى أحد الذين أمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بدفنهم بدمائهم، ولم يصل عليهم، إنما قتلوا في المعترك. ووجه قول ابن وهب: أنه لما كان الذين قتلهم العدو في غير المعترك لهم حكم المقتولين في المعترك في الشهادة، وجب أن يكون لهم حكمهم فيما سوى ذلك، مما يختص به المقتول في المعترك.

.مسألة الميت هل يكفن في الحرير:

ومن مسائل نوازل سئل عنها أصبغ:
وسئل أصبغ: عن الميت هل يكفن في الحرير؟ وعن لباس الملحم للرجال؟ وكيف بالقلنسية منه؟
قال أصبغ: لا يكفن الميت في حرير لا رجل ولا امرأة، إلا أن يضطروا إلى ذلك بموضع لا يوجد غيره؛ ولا يجوز لباس الملحم للرجال، لا قميص، ولا ساج، ولا قلنسوة، لا بما قل منه ولا بما كثر؛ لأنه لباس كله؛ ولو أن رجلا حلف ألا يلبس الحرير، أو الخز، فلبس منه قلنسوة، كان لباسا، وكان حانثا.
قال محمد بن رشد: الملحم الثوب الخالص من الحرير، وسمي ملحما؛ لأنه ألحم فيه الحرير في الحرير، بخلاف الخز؛ لأنه ألحم فيه الخز في الحرير. وقوله: إنه لا يكفن في الحرير الرجال ولا النساء هو مثل ما في المدونة من كراهيته الحرير والخز والمعصفر في أكفان الرجال والنساء. وإنما كره الحرير في أكفان النساء- وإن كان من لباسهن في حال الحياة؛ لأنه من الزينة، فجاز في الحياة دون الموت كالحلي؛ ولأنه قد قيل: إنه حرام على الرجال والنساء، وممن ذهب إلى ذلك عبد الله بن الزبير، تعلقا بعموم قول النبي- عليه الصلاة والسلام-: «إنما يلبس الحرير من لا خلاق له في الآخرة». وروي عنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنه خطب، فقال: يا أيها الناس، لا تلبسوا نساءكم الحرير، فإني سمعت عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يقول: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «من لبس الحرير في الدنيا، لم يلبسه في الآخرة». قال ابن الزبير: وأنا أقول: من لم يلبسه في الآخرة لم يدخل الجنة؛ لأن الله تعالى يقول: {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} [الحج: 23]. وليس تأويل ابن الزبير كما تأول؛ لأنه قد روي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «من لبس الحرير في الدنيا، لم يلبسه في الآخرة، ولو دخل الجنة يلبسه أهل الجنة ولا يلبسه هو».
وأجاز ابن حبيب أن يكفن في الحرير والخز والمعصفر النساء دون الرجال؛ لأن ذلك من لباسهن في الحياة، وقد وسع في سماع ابن وهب في ذلك للرجال؛ لأن العبادة قد ارتفعت عنهم، فأشبهوا الصبيان، وفي ذلك بعد؛ لأن العبادة- وإن كانت قد ارتفعت عنهم، فأولياؤهم متعبدون فيهم، فلا ينبغي لهم أن يقلبوهم إلى ربهم بعد وفاتهم، بما حرم عليهم لباسه في حياتهم؛ فهي ثلاثة أقوال، القياس منها قول ابن حبيب، وقول مالك استحسان، وما في سماع ابن وهب توسعة بعيدة.